الأسير.. شيخ حالة صاعدة فيها الكثير من «نون» السنّة والجماعة

جهاد بزي

يطلب الشيخ من صفوف المصلين السجود على ظهور من هم أمامهم، إن لم تكن المساحة تكفيهم للسجود على الأرض. السماء تمطر، لذا، فمن أمّوا المسجد اكتفوا به ولم يفترشوا الطريق أمامه. في أيام الجمعة العادية، تُقطع الطريق وتُمد الحصر، لأن داخل المسجد لا يعود يتسع.

الشيخ أنهى خطبته للتو، والمصلون الذين في سوادهم الكاسح من العشرينيين، بدأوا الصلاة خلفه، بعد إصغائهم إليه مأخوذين به.

الشيخ بدأ بـ«حادثة الإفك» التي وقعت مع السيدة عائشة، وما أثارته الحادثة من بلاء للمسلمين ظهر بعدها انه كان خيراً لهم.. اذ عرف الرسول المنافقين منهم. والخطبة ستنتهي برفع الدعاء للجوعى من أهلنا في الصومال، وللانتقام من الصهاينة، ومن «النظام السوري ومن يعاونه كالنظام الإيراني».

وبين «إفك» والنظام الايراني سيكون الشيخ المنبري قد شن هجوماً عالي اللهجة على النظام الذي «يبلّط» بيوت أهلنا ومساجدنا في سوريا، أي يدك طوابقها دكّا. كما أنه، وهو يمر على مقتل الصياد اللبناني في البحر الشمالي، سيهزّ الجدران وهو يصرخ منادياً رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومفتي الجمهورية وآخرين، مرددا مرة بعد مرة: دماؤنا ليست ماءً. وفي ندائه هذا، سيستثني الكرسي الثانية، وشاغلها الرئيس نبيه بري.

الشيخ المنبري يقف خطيباً لأزمان كثيرة. قامته الفارعة وذراعاه الطويلتان، وجلبابه ولحيته التي لم يلمسها مقص منذ سنوات على الارجح، كما شارباه المحفوفان، مشهده هذا يمحو كل ما عداه في المسجد المتقشف الواقع في بلدة عبرا الملاصقة لصيدا، وكان الشبان بالعشرات يحثون الخطى في الشارع الصاعد إليه، يسابقون الأذان ليصلوا ويحجزوا أماكنهم أمام الشيخ أحمد الأسير، الذي تجعله وجوههم المأخوذة به، شيخاً أثيراً وأيقونياً.

هذا المسجد يبدو للوهلة الاولى، طابقاً أرضياً من مبنى. لكن الشبان المهذبين ذوي اللحى الطويلة والجلابيب، يدلّون من لا يجد مكاناً في الطابق الارضي إلى درجين، أحدهما حديدي يصعد بالمصلين إلى الطابق الاول من المبنى، والآخر ينزل بهم طابقاً تحت الأرض.

من فوق، يمكن رؤية الشيخ من خلال نوافذ زجاجية تطل على الطابق حيث يقف خطيباً. لكن من لا يرى الشيخ بسبب كثرة الاعمدة، يمكنه دائماً التفرج عليه من خلال شاشات مسطحة معلّقة داخل الطوابق الثلاثة للمسجد وخارجه، حيث يصير عدم رؤية الشيخ أمراً مستحيلاً.

لا خريطة منطقية للمسجد. هو، كأي مكان صغير توسع مع الوقت بفعل الضرورة، تمدد في كل الاتجاهات ليستوعب الأعداد المتزايدة من المصلين.

الأصل يقع خلف هذا المبنى السكني، حيث ينتصب البنيان الذي يدل إلى الجامع التقليدي بالقبة والمئذنة الصغيرتين. هنا بدأ الشيخ احمد الاسير ابن التاسعة والعشرين في العام 1997 يؤم المصلين ويلقي الدروس الدينية ويلقي خطبة الجمعة، متابعاً واخوانه عمل الدعوة والتبليغ في مسجد ما زال يصعد المؤذن إلى مئذنته ويكبّر داعياً المسلمين إلى الصلاة، بلا مكبرات صوت، تماماً كما كان الأمر أيام بلال بن رباح، مؤذن الرسول الذي يحمل الجامع اسمه.

نما الجامع في 14 سنة، مع نمو حالة الرجل النحيل بلحيته التي تطول إلى صدره، يخطب بفصحى سهلة، وبكثير من العامية باللكنة الصيداوية، مقنناً انفعالاته، يصرخ حيث تدعو الحاجة، ويهدأ حيث تدعو الحاجة، معيداً إلى ناسه صدى الأفكار التي تعتمل في صدورهم، يقولها كما هي، بلا تنميق، مستخدماً صيغة الـ«نحن» طوال الوقت، في هجوم بلا سقف على النظامين الايراني والسوري، حيث يتساوى خطراً وعداءً، في عيني الشيخ، كل من «المشروع الاميركي الصهيوني القذر»، و«المشروع الايراني القذر»، وهذا، الأخير، بصورايخه وماله تدك مساجد»نا» ويقتل أهل»نا» في سوريا.

بعد الفراغ من الصلاة، ومغادرة المصلين والمصليات اللواتي أُخلي لهّن ركنٌ خاص بهن، وبينهّن منقبات بطبيعة الحال، ينتحي الشيخ زاوية من المسجد، ويجلس على الارض مستمعاً إلى كل من أراد ان يقول له شيئاً. حتى إذا ما انتهى هؤلاء، يقترب محيياً زوّاره، ويدعوهم إلى المكتب في المبنى المقابل للمسجد، حيث هناك، وقبل أن يبدأ حواره مع «السفير»، يركز شابان من معاونيه كاميرا ليصورا الشيخ، وهي عادة اتخذت مذ بات، قبل فترة، نجماً إعلامياً. وبالتصوير، يحتاط الشيخ من أي تحوير في كلامه.

نحن أهل السنّة والجماعة

لولا اللحية، لبدا الأسير أصغر سناً من أعوامه الثلاثة والاربعين. أصلاً، هو لا يشبه شكله، اذا افترضنا مخطئين أن هذا الشكل ليس لبنانياً، وأننا لا نرى مثله إلا عند غيرنا ممن يحكون بلغة بالكاد نفهمها، وبلهجات نجهلها، وبأفكار لا نقدر على تفكيكها. أحمد الاسير ابن تقليدي لصيدا. والده، هلال الاسير، كان مطرباً في السبعينيات. وعائلة المطرب لم تكن متدينة، إلا ان الصبي بكّر في الاقتراب من دينه مع اول مراهقته. وراح يتردد على المساجد بينما يدرس الالكترونيات في معهد. وصار «مصلّح فيديو وتلفزيون» من جهة، ومن جهة ثانية، كانت «الجماعة الاسلامية» طريقه إلى التعبير عن نفسه، بخاصة بعد أحداث شرق صيدا.

الاسير سيترك «الجماعة» في أواخر الثمانينيات ويتابع دراساته الشرعية ويبدأ عمل الدعوة والتبليغ. والدعاة يذهبون إلى الناس حيث هم ويدعونهم إلى الدين. في المطاعم والمقاهي والبيوت.. وحيث يجب. لا يقولون لهم إفعلوا ولا تفعلوا، بل يعرّفونهم على دينهم، ويتركون القرار لهم. ترك أحمد مهنة لم تعد تتوافق مع دعوته، وأكمل دراساته في كلية الشريعة التابعة لدار الفتوى حتى حصّل دراسات عليا منها.. وصار شيخاً. لكنه لم يكن، ولن يكون شيخاً تقليدياً.

في العام 1997، استقر في الجامع الصغير، وتابع نشر الدعوة. بدأ بمقاربة السياسة حين صار إمام مسجد، لكن ليس في كل الاوقات، بل حين كان يشعر أن هناك خطراً على اثنين: أمننا وعقيدتنا. أمننا كلبنانيين نعيش كلنا على مركب واحد لا يغرق إلا بنا جميعاً، وعقيدتنا، أي عقيدة «أهل السنة والجماعة».

لكن أساس دعوته ليس سياسياً. يضطر إليها في اللحظات الكبيرة: غزو افغانستان. الحرب ضد العراق. ضد غزة. في السابع من ايار. الأزمة السورية. هنا يتدخل ويكون لديه «مقاربات». غير ذلك لا. هو ينفي عن نفسه صفة «السلفية»، بتفسيراتها الحالية التي اقترنت بالارهاب منذ 11 ايلول، حين باتت اللحية مخيفة.

يقول إنه ليس سلفياً جهادياً كأتباع اسامة بن لادن، وليس تكفيرياً. والتنظيمات السلفية بات لها مرجعيات وتمويل وهو لا يقبل تمويلاً سياسياً من الداخل ولا من الخارج. هو نذر نفسه للدعوة ورأى أن أفضل ما يحصل لأهل السنة والجماعة هو أن يُدعوا الى دينهم الصحيح. وهي دعوة تأتي بالتدريج. لا يطلب من المرأة التي لا تصلي أن تتنقب دفعة واحدة، ولا يطلب من رجل لا يعرف دينه بعد، أن يطلق لحيته ويترك لباسه المدني إلى آخر. بل يخبّر عن الصلاة، ولاحقا يخبرهما عن لباس الرسول، وعن لباس السيدتين عائشة زوجته، وفاطمة ابنته. وللناس أن يقرروا ما شاؤوا من لباس ومن لحى.

في لبنان، وحيث يسافر، الدعوة تقتصر على السنّة بالطبع. لماذا؟ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فهو لن يدعو المسيحيين الى دينه بينما أبناء الدين أنفسهم لم يتعرفوا عليه بعد.

أما الشيعة، فحديث الشيخ عنهم يطول.

حزب المقاومة.. وإيران يقول الشيخ: «الخلاف مع الشيعة ليس بسيطاً. هم لا شك مسلمون، غير أن مسألة الصحابة هي أكبر مسألة خلافية بيننا وبينهم. الصحابة هم الذين نشروا الاسلام وفتحوا الشام والقدس بدءاً من ابي بكر الصديق ووصولا إلى أصغر صحابي. هؤلاء لا يعتبرهم الشيعة عدلاً وعدولاً وثقة بل يعتبرونهم ظالمين خدعوا وظلموا أهل البيت. ولا بد للشيعي أن يعادي الصحابة وإلا لا يكون شيعياً».

مع ذلك، فلا دخل للشيخ، على ما يقول، بما يعتقده الشيعة. لكلٍّ ما شاء. «ما ليس مقبولاً عنده هو أن يُشتم الصحابة والسيدة عائشة، التي أخذنا عنها نصف الدين. حين يُطعن هؤلاء هكذا، في الملأ، فعلينا أن ندافع عنهم». ولا يمكن الشيخ أن يرد الصاع بمثله بالطبع. فأهل البيت لا يقلّون قيمة عنده من الصحابة ومن زوجة الرسول. وإذا قال إن عائشة، ام المؤمنين وعرض النبي، أفضل من الحسن والحسين، فهذا لا ينتقص من عظمة الامامين عنده حتى ليدعو ربه أن يحشره بين أقدامهما يوم الدين.

والخلاف على التاريخ يجاوره خلاف على الحاضر، بدءاً من التسميات. يسمي الشيخ «حزب الله» باسم «حزب المقاومة» ممتنعاً عن التسمية الاولى التي وردت في القرآن ولا يحق لفريق أن يطلقها على نفسه، سنيّاً كان أم شيعياً، لأن التسمية القرآنية قسمت بين حزبي الله والشيطان، فإذا وافق «حزب الله» على تسميته لنفسه، صار كل من ليس مع هذا الحزب هو مع ابليس.

و«المقاومة» يفخر بها الحزب ولا يجد الشيخ في ربطه بها أي استفزاز له. حزب المقاومة إذاً، ومن البداية، لم يكن يعمل للتقريب بين المسلمين، بل لتقريب المسلمين إلى عقيدة ولاية الفقيه الخمينية. وكل ما يفعله هذا الحزب، سياسياً وعسكرياً واجتماعياً، يقع في خانة نشر عقيدته. وهذا الحزب يهيمن الآن ويجعلنا نعيش عبداً سيداً، وهو المدعي ونحن الخونة، وهو القاضي وهو الجلاد، يحكم وينفذ، أسطع مثال على ذلك السابع من أيار.

ايران، من خلفه، خدعتنا كعرب ومسلمين. عملت على شرخ الحالة السنية تحت عنوان يدغدغ مشاعرنا هو فلسطين. غير أن ما يحصل في سوريا فضح هذا المشروع الايراني.

الشيخ يبدو في موقف الدفاع عن النفس طوال الوقت، غير أن من يدافع كهذا، لا يحتاج إلى هجوم قط. مع ذلك، فالشيخ يرفض الاقتتال الداخلي ويرفض الدعوة إلى التسلح. كما أنه، وبينما اسمه يكبر، يرفض تشكيل حزب أو جماعة أو خلافه.

يبدو أنه يفضل البقاء على عباءته فضفاضة كما هي، يتفيأ بظلّها كل من لا يجد في الاحزاب متنفساً له، ومعبراً عنه. لكنه ما زال يخوض تجربته، وهي تتطور شيئاً فشيئاً. وكما تمدد مسجده، فإن الشقة المقابلة التي دفع ثمنها كاملا احد تجار صيدا المقتدرين، تبدو بدورها تمدداً للحالة الاسيرية التي تشهد نواة مكتب إعلامي لشيخ يصر على إظهار تعففه عن الظهور الاعلامي، وعن النشاطات ذات الطابع العام كاللقاءات وغيرها، غير أنه سيطلق موقعاً الكترونياً قريباً، كما انه يعمل على إنشاء ما يشبه المجمع الذي سيضم مسجداً جديداً كبيراً وما يحيط به بالعادة من مراكز تمده، ويمدها، بما يقوي هذه الحالة.

هي حالة لم يصلب عودها تماماً بعد، ومن المستحيل توقّع مستقبلها. وما زالت تبدأ وتنتهي عند الشيخ الذي يؤكد على عاديته كرجل وعلى أولوية وأهمية دعوته. ومع ان شباناً كثراً يدورون في فلكه، إلا انه يقول إنه يتحرك بلا حراسة. وبعد الحوار معه يقول إنه قد يغادر بسيارته إلى دارة أهله، حيث يتناول الغداء الذي ستعده له والدته، وقد يتناكفان مزاحاً. فهي شيعية من آل حاجو من صور. وما زالت تؤدي صلاتها بذراعين مسبلتين إلى جانبيها، وتسجد على القرص. لكنه أقنعها بألا تشتم الصحابة، يقول ويضحك.

أمه ليست وحدها من تجعله يتقاطع بشكل أو بآخر مع الشيعة. اسمه، في الاصل هو «أحمد الأسير الحسيني»، و«عائلتنا يعود نسبها بفضل الله عز وجلّ إلى سيدنا الإمام علي ابن الحسين رضي الله عنه. وهذا وصلنا بالتواتر وهو ثابت ان شاء الله».

السفير


Share on Facebook